خاص الهديل الإخبارية: بيروت رهينة المولدات: 10 أمبير بـ500 دولار… فمن يحمي هذه المنظومة؟
اخبار سعر صرف الدولار في لبنان
خاص الهديل الإخبارية…
بقلم: محمد طارق عفيفي –
إلى متى يبقى المواطن اللبناني يدفع ثمن فشل الدولة في تأمين أبسط حقوقه؟ وإلى متى تبقى بيروت، عاصمة لبنان، أسيرة العتمة والاشتراكات والفواتير التي لا تنتهي؟ لم يعد السؤال فقط: متى تأتي كهرباء الدولة؟ بل أصبح السؤال الأخطر: من المستفيد من بقاء كهرباء الدولة غائبة؟ ففي بيروت، وفي عدد من المناطق، يعيش المواطن اليوم معادلة غير مقبولة، إذ يدفع فاتورة كهرباء الدولة، ثم يدفع فاتورة المولد الخاص، ويتحمل في الوقت نفسه أعباء عشرات الخدمات الأساسية الأخرى، في بلد يعيش أصلًا تحت ضغط اقتصادي ومعيشي خانق. والأخطر أن الحديث المتداول بين المواطنين في بعض المناطق وصل إلى أرقام صادمة، إذ يتحدث الأهالي عن بلوغ كلفة اشتراك 10 أمبير نحو 500 دولار، وهو رقم، إذا ثبت وفق المنطقة وطبيعة الاشتراك وآلية احتساب الفاتورة، يمثل عبئًا هائلًا على المواطن اللبناني، ويفرض سؤالًا واضحًا: كيف يستطيع المواطن العادي تحمّل هذه الكلفة إلى جانب بقية مصاريف الحياة؟
وهنا لا بد من طرح السؤال بصراحة: من يراقب؟ أين الدولة؟ أين وزارة الطاقة؟ أين البلديات؟ أين الأجهزة الرقابية؟ ومن يحدد فعليًا ماذا يدفع المواطن ومقابل ماذا؟ فالمشكلة لم تعد في وجود المولدات بحد ذاته، إذ أصبح المولد الخاص منذ سنوات جزءًا من حياة اللبناني نتيجة عجز الدولة عن تأمين التيار الكهربائي بصورة مستقرة، لكن ما كان يفترض أن يكون حلًا مؤقتًا تحوّل إلى اقتصاد قائم بذاته، له أصحاب ومصالح وشبكات عمل، بينما بقي المواطن الطرف الأضعف في المعادلة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا لم تستكمل الدولة حتى اليوم تطبيق نظام العدادات بصورة شاملة ومنظمة في جميع المناطق؟ فالعداد ليس تفصيلًا تقنيًا، بل يعني أن المواطن يدفع مقابل الاستهلاك الفعلي، وأن العلاقة بين صاحب المولد والمشترك تصبح أكثر وضوحًا وقابلية للرقابة. أما عندما يبقى المواطن يدفع بدل اشتراك ثابتًا أو مبالغ غير واضحة، فإن مساحة الشكوى والالتباس تصبح أكبر. ومن حق المواطن أن يسأل: لماذا لا تكون هناك منظومة موحدة وشفافة في كل لبنان؟ لماذا تختلف الأسعار بين منطقة وأخرى؟ لماذا تختلف شروط الاشتراك؟ ولماذا لا يعرف المواطن بشكل واضح كيف احتُسبت فاتورته؟ ولماذا يبقى ملف المولدات في كثير من الأحيان وكأنه خارج رقابة فعلية قادرة على حماية المستهلك؟
المواطن لا يريد معجزة، بل يريد كهرباء. وإذا لم تستطع الدولة تأمين الكهرباء بصورة مستقرة، فعلى الأقل يجب أن تؤمّن عدالة التسعير ووضوح الفاتورة والرقابة على الاشتراكات وتركيب العدادات ومنع الاستغلال. لكن السؤال الأكبر يبقى: لماذا لم تُحل أزمة مؤسسة كهرباء لبنان حتى الآن؟ لماذا لا تزال الدولة تدور في الحلقة نفسها منذ سنوات؟ خطة تلو خطة، ووعود تلو وعود، ووزراء يتعاقبون، واجتماعات وتصريحات، فيما يبقى المواطن في نهاية السلسلة يدفع أكثر فأكثر.
وهنا تحديدًا يجب ألا يتوقف النقاش عند حدود «العجز»، لأن استمرار الأزمة لسنوات طويلة يفرض البحث في منظومة المصالح التي نشأت حولها. فكلما غابت كهرباء الدولة، توسع سوق المولدات، وكلما توسع سوق المولدات، ارتفعت قيمة الاشتراكات، وكلما ارتفعت قيمة الاشتراكات، أصبح قطاع الكهرباء الخاصة جزءًا أساسيًا من الاقتصاد اليومي للمواطن. ومن الطبيعي في أي اقتصاد أن نسأل: من يستفيد؟ من يملك المولدات؟ من يحدد الأسعار؟ من يراقب؟ من يفرض تركيب العدادات؟ من يتأكد من الالتزام بالتسعيرة؟ ومن يحمي المواطن عندما يعترض؟
والأهم من ذلك كله: هل توجد جهات سياسية أو محلية تستفيد من استمرار هذا الواقع؟ هذا السؤال يجب أن يُطرح بوضوح، لكن الإجابة عليه لا تكون بالشائعات ولا بالاتهامات العامة، بل بالأرقام والوثائق والعقود والتراخيص والملكية الفعلية للمولدات ومسارات التسعير. فإذا كانت هناك جهات تحمي أصحاب مولدات مخالفين، فليتم كشفها ومحاسبتها وفق القانون، وإذا لم تكن هناك حماية سياسية، فلتظهر الدولة قدرتها على الرقابة وتطبيق القانون على الجميع. أما أن يبقى المواطن مقتنعًا بأن هناك «من يحمي» و«من يستفيد» من استمرار الفوضى، بينما لا تقدم الدولة إجابات واضحة، فهذه بحد ذاتها مشكلة ثقة خطيرة.
والأخطر أن المواطن بدأ يشعر بأن هناك دولة رسمية لا تستطيع تأمين التيار بصورة كافية، وسوقًا خاصًا يؤمن البديل ويفرض شروطه، ومواطنًا لا يملك سوى الدفع. وهنا تصبح المعادلة غير مقبولة، فلا يمكن أن يكون المواطن هو الطرف الذي يدفع ثمن كل شيء: يدفع للدولة، ويدفع للمولد، ويدفع للإنترنت والمياه وسائر الخدمات، ثم يُطلب منه أن يتحمل المزيد من الضرائب والرسوم، فيما يبقى أصل المشكلة بلا حل.
وبيروت ليست قرية نائية، إنها العاصمة. وفي العاصمة تحديدًا لا يجوز أن يكون الحصول على الكهرباء مرتبطًا بقدرة المواطن على دفع مئات الدولارات شهريًا لصاحب مولد، ولا يجوز أن يصبح الاشتراك في المولد امتيازًا طبقيًا؛ من يملك المال يحصل على الكهرباء، ومن لا يملك المال يعيش تحت رحمة العتمة. والسؤال هنا يتوجه مباشرة إلى الدولة: إذا كانت عاجزة عن تأمين الكهرباء، فلماذا لا تؤمّن على الأقل رقابة صارمة على البديل؟ وإذا كانت الدولة قد أقرت آليات لتنظيم عمل المولدات وتركيب العدادات، فلماذا لا تُطبق بصورة متساوية في جميع المناطق؟ ومن يتحمل مسؤولية عدم استكمال هذا الملف؟
وهنا نصل إلى السؤال الاقتصادي الأكبر: ماذا لو تحولت الأموال التي يدفعها اللبنانيون اليوم للمولدات الخاصة من كلفة استنزاف شهرية إلى استثمار حقيقي في كهرباء الدولة؟ فبدل أن يبقى المواطن يدفع مئات الدولارات شهريًا لقاء اشتراك خاص، لماذا لا تكون هناك خطة وطنية واضحة تجعل جزءًا من الإنفاق الذي يذهب اليوم إلى الكهرباء الخاصة يتحول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى تمويل وتطوير قطاع الكهرباء الرسمي؟ استثمارات في معامل الإنتاج، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، والطاقة المتجددة، والعدادات الذكية، وتحسين الجباية، وخفض الهدر، وتحديث مؤسسة كهرباء لبنان. الدولة لا تحتاج إلى معجزة، بل تحتاج إلى أن تحوّل المال الذي يدفعه المواطن بسبب غياب الكهرباء إلى المال الذي يساعد على إنهاء غياب الكهرباء.
فهنا المفارقة الكبرى: المواطن يدفع للمولد لكي يحصل على الكهرباء اليوم، لكن هذه الأموال لا تنهي مشكلة الكهرباء غدًا. أما إذا نجحت الدولة في بناء قطاع كهرباء مستقر وشفاف، فإن الأموال التي يدفعها المواطن مقابل الطاقة يمكن أن تتحول من إنفاق اضطراري على اقتصاد موازٍ إلى إيرادات واستثمارات تعود بالنفع على الدولة والمواطن معًا. وبمعنى آخر، لماذا لا تكون هناك رؤية تجعل المواطن يدفع ثمن الكهرباء للدولة بدل أن يبقى يدفع ثمن غيابها لغيرها؟ وهنا يجب أن يكون الهدف واضحًا: ليس المطلوب أن نحسن إدارة أزمة المولدات إلى ما لا نهاية، بل أن ننهي حاجة المواطن إليها تدريجيًا، فالمولد يجب أن يكون حلًا مؤقتًا، لا مؤسسة دائمة فوق الدولة.
المشكلة ليست في صاحب المولد الذي يؤمن الكهرباء في منطقة محرومة منها، ولا في المواطن الذي اضطر إلى الاشتراك لأنه يريد أن يعيش حياته بصورة طبيعية. المشكلة تبدأ عندما يتحول الحل المؤقت إلى نظام دائم، وعندما يصبح غياب الدولة شرطًا لازدهار هذا النظام. وهنا لا بد من التوقف عند نقطة حساسة جدًا: إذا كانت الدولة جادة في إصلاح قطاع الكهرباء، فعليها أن تبدأ من السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه: لماذا بقي لبنان بلا كهرباء مستقرة طوال كل هذه السنوات؟ هل المشكلة تقنية فقط؟ هل هي مالية؟ هل هي سياسية؟ هل هي سوء إدارة؟ أم أن هناك مصالح متشابكة تجعل استمرار الأزمة أكثر فائدة لبعض الأطراف من حلها؟
هذه الأسئلة لا يجوز إسكاتها، والإجابة لا يجب أن تكون بيانًا سياسيًا جديدًا. نريد أرقامًا، نريد عقودًا، نريد تدقيقًا، نريد شفافية، نريد معرفة من يدفع ومن يقبض ومن يراقب ومن يتغاضى ومن يقرر. أما المواطن فلم يعد يريد خطابات، بل يريد أن يعرف فقط: متى ستأتي الكهرباء؟ وإذا لم تأتِ، لماذا يدفع 500 دولار مقابل 10 أمبير؟ ومن أعطى أي جهة الحق في تحويل حاجة المواطن إلى سوق مفتوح من دون حماية كافية للمستهلك؟
إن استمرار هذا الواقع ليس مجرد أزمة كهرباء، بل أزمة دولة. فحين تصبح الكهرباء سلعة لا يستطيع الحصول عليها إلا القادر على دفع ثمنها، وحين تصبح المولدات البديل الدائم عن مؤسسة الدولة، وحين يبقى إصلاح القطاع مؤجلًا عامًا بعد عام، فإن السؤال لم يعد فقط: لماذا لا تأتي الكهرباء؟ بل أصبح: من المستفيد من بقائها غائبة؟
وهذا السؤال يجب ألا يبقى همسًا بين أهالي بيروت، بل يجب أن يصبح سؤالًا علنيًا موجّهًا إلى كل مسؤول، وكل وزارة، وكل بلدية، وكل جهة رقابية، وكل من يملك القدرة على تغيير هذا الواقع. لأن كهرباء المواطن حق وليست منّة، والدولة التي لا تستطيع تأمين هذا الحق مطالبة على الأقل بأن تمنع تحويل عجزها إلى باب لاستنزاف المواطن.
فإلى متى ستبقى بيروت مضاءة بالمولدات… ومظلمة برقابة الدولة؟


