معملا الزوق والجيّة: عقد الدولة المعدَّل بخطّ اليد يكلّف البلاد 100 مليون دولار
اخبار سعر صرف الدولار في لبنان
نقلاً عن MenaNews
يضيق الخناق القضائي على وزير الطاقة والمياه السابق جبران باسيل. أسطرٌ أُضيفت بخطّ اليد إلى عقدين للدولة بعد عرضهما على ديوان المحاسبة ومجلس الوزراء، لمصلحة المقاولين، ومن دون أن تُعرض يوماً على ديوان المحاسبة. العقدان الموقَّعان في 26 شباط 2013 لمعملَي الزوق والجيّة جرّا على لبنان اليوم حكماً بدفع 100 مليون دولار، أصدرته هيئة تحكيم في باريس. والكلمة الفصل باتت لمحكمة استئناف باريس. شكراً جبران باسيل!
في 26 شباط 2013، وقّع وزير الطاقة والمياه جبران باسيل، باسم الدولة، عقدَي معملَي الزوق والجيّة لتوليد الكهرباء مع التحالف المؤلّف من شركة BWSC الدنماركية وشركة MAN Diesel & Turbo الألمانية. حجم الصفقة: 272 ميغاواط، و14 محرّكاً، ونحو 270 مليون يورو، أي 345 مليون دولار بأسعار ذلك الوقت (Enerdata، نيسان 2013).عُرض العقدان على ديوان المحاسبة ومجلس الوزراء، وبعد هذا العرض المزدوج أُضيفت إليهما تعديلات بخطّ اليد. تعديلات لا تطال تفصيلاً عابراً، بل تقلب ترتيب أولوية مستندات العقد، فتضع عرض التحالف فوق دفتر شروط الدولة.
في صفقة بهذا الحجم، هذا الترتيب يحسم كلّ شيء: فهو الفيصل كلّما تعارض مستندان من مستندات العقد. ونماذج «فيديك» (FIDIC)، التي تخضع لها هذه العقود بحسب مكتب المحاماة اللبناني الذي قدّم المشورة للتحالف، تُقدّم متطلبات صاحب العمل على عرض المقاول. وقلبُ هذا الترتيب يعني أن تكون الغلبة لصيغة المقاول عند كلّ تعارض.
لم تُعرض يوماً على ديوان المحاسبة
الواقعة ثابتة بالمستندات. ففي كتاب صادر عنه، يؤكّد رئيس ديوان المحاسبة القاضي محمد بدران أنّ هذه التعديلات لم تُعرض يوماً على الديوان. والحال أنّ صفقات بهذا الحجم تخضع للرقابة المسبقة لديوان المحاسبة، وهذه الرقابة تحديداً هي ما التفّت عليه التعديلات. بعبارة أخرى، النصّ الذي يُلزم الدولة ليس النصّ الذي اطّلعت عليه أجهزتها الرقابية. لقد حصل تلاعب بالعقد فعلاً.
من الزوق إلى باريس: فاتورة بقيمة 100 مليون دولار
لم تمرّ التعديلات من دون عواقب. فبسبب غياب موافقة ديوان المحاسبة، جمّدت وزارة المالية أربع فواتير للتحالف. هذه روايتها هي، كما نقلها موقع «درج» الاستقصائي عام 2022. ويستشهد التحقيق نفسه بالمدير العام السابق للاستثمار في وزارة الطاقة غسان بيضون. فبحسبه، وُلد التعديل الذي منح الأولوية لعرض المقاول من مفاوضات مع الوزارة؛ واعترض عليه استشاري المشروع، كما اعترض وزير المالية، فيما طلب ديوان المحاسبة أن يُحال إليه أيّ تعديل. أمّا جان العلّية، المدير العام لإدارة المناقصات آنذاك، فاختصر المسألة عام 2022 بأنّ دفتر الشروط هو بمثابة دستور المناقصة. صنّتتوقّفت الأشغال عام 2014. والمعملان اللذان كان يُفترض تسليمهما في ذلك العام لم يُنجزا إلّا عام 2017. وفي 2018، لجأت شركة BWSC إلى غرفة التجارة الدولية (ICC) في باريس، مطالبةً الدولة بمبلغ 130 مليون دولار بسبب التخلّف عن الدفع، والحصيلة: حكم تحكيمي نهائي يُلزم لبنان بدفع 100 مليون دولار عطلاً وضرراً للشركتين، أي نحو 30 في المئة من القيمة الأصلية للصفقة، يتحمّلها بلدٌ تخلّف عن سداد ديونه عام 2020.
بصمة التيار الوطني الحرّ
ليس ملفّ الزوق والجيّة سوى فصل من فضائح التيار الوطني الحرّ، الذي سيطر على مفاصل الحكم في لبنان منذ توقيعه مذكرة التفاهم مع حزب الله في 6 شباط 2006، في صالون كنيسة مار مخايل في الشياح.
هذا التفاهم أطلق يد حزب الله في تحويل لبنان إلى جحيم، وسهّل وصول رئيس التيار السابق ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، وتسبّب في الانهيار المالي والاقتصادي، وصولاً إلى المأساة التي يعيشها أهالي الجنوب والبقاع الذين خسروا بيوتهم وممتلكاتهم.
وفي الأثناء، ينتقد التيار الوطني الحرّ وزير الطاقة والمياه الحالي جو الصدّي، الذي يبذل قصارى جهده للنهوض بقطاعَي الكهرباء والمياه. ومع أنّ جو الصدّي رجل نزيه يقول إنّ أولويته النهوض بالقطاع لا الدخول في السجالات أو الانجرار إلى مطاردة الساحرات، فإنه مدعوّ اليوم إلى ملاحقة المسؤولين عن الانهيار الذين سيحدّدهم القضاء. إنه واجبه الوطني، فاللبنانيون لم يعودوا يتسامحون مع أيّ تهاون في هذا الملف.
في باريس، ساعة الحقيقة
الأنظار كلّها متّجهة الآن إلى محكمة استئناف باريس، التي ستنظر في ما يشبه واحدة من أكثر عمليات تزوير عقود الدولة فجاجةً: صفحات عُدّلت بخطّ اليد ووُضعت عليها التأشيرات خلسةً، بعيداً عن أنظار ديوان المحاسبة ومجلس الوزراء اللبنانيَّين.المحكمة لا تعيد النظر في أساس النزاع، لكنّ المادة 1520 من قانون أصول المحاكمات المدنية الفرنسي تتيح لها إبطال أيّ حكم تحكيمي يتعارض تنفيذه مع النظام العام الدولي. وفي نزاع بين ليبيا وشركة إنشاءات فرنسية، أكّدت محكمة التمييز الفرنسية في 7 أيلول 2022 أنّ لهذا القاضي أن يتحقّق بنفسه من أيّ ادّعاء بالفساد، حتى استناداً إلى مستندات لم تُعرض قطّ على المحكّمين. والرهان واضح: إذا رأت المحكمة أنّ الحكم يمنح مفعولاً لعقد جرى التلاعب به، فقد تسقط المئة مليون دولار.
باسيل في مرمى واشنطن أصلاً
وفي المعلومات المتوافرة أنّ مرجعيات دولية معنية بمكافحة الفساد وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب توقّفت عند فظاعة الفضيحة، وهي تعدّ العدّة لتحرّك على أوسع نطاق. والسياق ثقيل الوطأة. فجبران باسيل، الوزير الذي جرت الوقائع في عهده، خاضع لعقوبات أميركية منذ 6 تشرين الثاني 2020، إذ أدرجته وزارة الخزانة الأميركية على لائحة العقوبات بموجب «قانون ماغنيتسكي العالمي» بتهمة الفساد الكبير (بيان وزارة الخزانة). وتشير واشنطن خصوصاً إلى تولّيه وزارة الطاقة عام 2014، حين يُنسب إليه أنه شارك في الموافقة على مشاريع كانت ستحوّل أموالاً عامة إلى مقرّبين منه عبر شركات واجهة. أمّا باسيل فرفض هذه الاتهامات على الدوام، معتبراً أنها نابعة من تحالفه مع حزب الله.
فما ستكون تداعيات قضية الزوق والجيّة عليه، لبنانياً ودولياً؟ لا أحد يملك الجواب بعد.
المقال في الموقع الرسمي: إضغط هنا


