«إبادة بيئيّة» في لبنان: 512 مليون دولار كلفة الأضرار البيئية في حرب 2024
اخبار سعر صرف الدولار في لبنان
كتبت أميمة شمس الدين:
– أكثر من 26 مليون طن من الأنقاض جراء العدوان
– لا مخاوف من استهلاك الزيتون وزيته.. والحديث عن عقم الأراضي غير صحيح
على الرغم من تعدد أولويات وزارة البيئة، وصعوبة واقع الإدارات والقطاع العام في لبنان خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الأزمات المتتالية فرضت تحديات جديدة، تتعلق بالأثر البيئي للعدوان الإسرائيلي على لبنان .
الزين تكشف حجم الكارثة البيئية وخطة المعالجة
في هذا الإطار، قالت وزيرة البيئة الدكتورة تمارا الزين لـ "الديار" أن ما تسببت به الإعتداءات الإسرائيلية على لبنان، يرقى لتوصيف "الإبادة البيئية" ، نظراً لحجم الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبلاد"، لافتة إلى أن "كلفة الأضرار البيئية وحدها بلغت نحو 512 مليون دولار خلال حرب 2024 فقط، يضاف إليها حجم أضرار حرب 2026 التي تتطلب وقتاً لتقديرها. كما أدى الدمار في حرب 2024 إلى تدمير نحو 239 ألف وحدة سكنية ، بينما وصل عدد الوحدات المتضررة بين دمار وأضرار في حرب 2026 إلى نحو 90 ألف وحدة سكنية، ليبلغ مجموع الأنقاض الناتجة أكثر من 26 مليون طن".
وتحدثت الزين عن الاستهداف المتعمد للبيئة ، وقالت: "منذ حرب 2024 لم تقتصر الأضرار على المباني، بل طالت البيئة بشكل مباشر عبر القصف الفسفوري المتعمد، واستهداف مناطق خضراء واسعة، مما أدى إلى احتراق 16 ألف هكتار من الأراضي (تقريبا نصفها أراض زراعية ونصفها الآخر أحراش وغابات) بين أكتوبر 2023 وأب 2026، كما تسبب رش مبيد "الجليفوسات" من قبل العدو الإسرائيلي في تضرر نحو 2000 هكتار من الأراضي بشكل مباشر، مع تسجيل نسب ملوثات وجسيمات خلال فترات القصف على بيروت، تفوق المعدلات القصوى المسموحة بأربعة أضعاف في محطات رصد تلوث الهواء".
تلف الأراضي وعقمها نهائياً كلام مجافٍ للحقيقة
لكن رغم المخاوف والتقارير التي تتحدث عن استحالة الزراعة لسنوات طويلة وتراجع جودة المحاصيل كالزيتون، أكدت الزين بشكل قاطع وبناءً على فحوصات علمية ومخبرية دقيقة، أنه "لا توجد أي محاذير تتعلق باستهلاك الزيتون أو زيت الزيتون حالياً"، مشددة على أن "ما يتم تداوله حول تلف الأراضي وعقمها نهائياً هو كلام غير صحيح ومجافٍ للحقيقة ، ويهدف إلى مضاعفة التدهور الاقتصادي لقطاع المزارعين".
وحول تأثير التفجيرات الضخمة التي قام بها العدو الإسرائيلي في الجنوب قالت: "أدى تفجير مناطق مثل مجدل زون، الشقيف، وعلي الطاهر مؤخراً إلى ارتجاجات قوية، مشابهة للزلازل (تراوحت قوتها بين 3.2 و4.2 درجة على مقياس ريختر)، مع كميات ضخمة من المتفجرات في أنفاق لا تتخطى طول 5 كيلومترات، مما يشكل خطراً مستقبلياً على البنى التحتية والفوالق الأرضية".
خطة على مرحلتين
وأشارت إلى أن "كل الوثائق حول هذه الأضرار تم تقديمها إلى لجنة التحقيق في الأمم المتحدة، من أجل البناء عليها لتصنيف ما تقوم به "إسرائيل" في خانة جرائم الحرب".
وعن استراتيجية عمل وزارة البيئة الميدانية لمعالجة ملف الأنقاض وإدارة الأثر البيئي، كشفت عن اعتماد خطة تنفذ على مرحلتين:
– المرحلة الأولى: نقل الأنقاض إلى مواقع مؤقتة، وفي هذا السياق تلقت الوزارة نحو 42 دراسة بيئية، أعدها كل من مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة، بالتنسيق والتشاور مع البلديات المعنية، على أن تتولى الشركة المكلفة وفق قرارات مجلس الوزراء عملية التدقيق الميداني.
– المرحلة الثانية: توجيه 70% من الأنقاض نحو إعادة التدوير، بعد فرزها بطريقة سليمة وفق دليل الوزارة، حيث سُمح للبلديات الراغبة بطحنها واستخدامها في ردم الطرقات والتجليل، أما النسبة المتبقية (30%) فستُخصص عبر مشروع "ليب" المموّل من البنك الدولي،ـ لإعادة تأهيل المقالع القديمة، حيث تم اختيار مقلعين في الجنوب لهذه الغاية .
التعويضات والقانون
وفي ملف التعويضات والأضرار البيئية شددت الوزيرة على "تمسك الدولة بتثبيت حق لبنان والمطالبة بالتعويضات"، مشيرة إلى "تجربة حرب 2006 التي أُقر فيها بمبلغ 860 مليون دولار لم يتسلم لبنان منها أي مبلغ، لكنها شكلت إثباتاً للحق على الأقل".
وأوضحت أن التقرير البيئي الحالي "يرتكز على ثلاثة أهداف رئيسية: التوثيق الشامل للأضرار الناجمة، ووضع خطة التأهيل البيئي، والمطالبة بالتعويضات، وتثبيت حق لبنان ولو كحق معنوي".
وحول الأبعاد القانونية، نقلت الزين عن نائب رئيس الحكومة طارق متري، أن ما ورد في "اتفاق الإطار" ليس ملزماً من الناحية القانونية، مؤكدة أن "الوزارات تواصل جمع معطياتها، حيث قامت لجنة التحقيق التابعة لمجلس حقوق الإنسان بالاطلاع عليها وتسلمها، مما يؤكد أن المسار القانوني والدولي ليس مسدوداً"، كما لفتت إلى أن "حق الأفراد المتضررين في مقاضاة الجهات المعنية شخصياً متاح في القضايا الخاصة بهم، دون أن يعفي ذلك الدولة من مسؤوليتها الكلية".
المقالع والكسارات
وفي الشق المتعلق بالمقالع والكسارات ككل، والمرتبط بموضوع الضرر البيئي وأوامر التحصيل للإقلاع، أشارت إلى القانون الذي صدر في سنة 2019 ينص على أن "الجيش يمسح، وقوى الأمن الداخلي تضع المعلومات، ووزارة البيئة تحتسب كلفة الضرر والتاهيل، وترسلها للمكلفين عبر وزارة المالية".
وبالنسبة للإجراءات والتطبيق القانوني، أوضحت أنه تبين أن "غالبية المقالع والكسارات غير مرخصة، لأن أوامر التحصيل هذه تنطبق فقط على من هم غير مرخصين ومخالفين، ولا يمكن لا بيئيا ولا قانونيا الاستمرار بهذا التفلت، ويبقى للمخالفين الحق في مراجعة المحاكم والاعتراض، وبعضهم توجه أمام شورى الدولة لنسف القرار من أساسه، في حين قدم آخرون اعتراضات على أوامر التحصيل التي تخصهم فقط"، واكدت أنه "لا يمكن الاستمرار في ترك هذا القطاع من دون الالتزام بالأنظمة المرعية".
أما فيما يخص موضوع الترابة تحديداً، فأشارت إلى أن "التوجه الحكومي كان منح مهل إدارية للشركات"، موضحة أن "المسار السائد كان عبر إعطاء مهل ادارية متعاقبة، بحيث لا تحصل الشركة على ترخيص ولا تكون ملزمة بالتأهيل، وخلال هذه المهلة تعمل بأقصى طاقتها لاستخراج كميات كبيرة، دون أي ضوابط أو معايير بيئية".
وقالت: "بناءً على ذلك، فرضنا تطبيق مرسوم تنظيم عمل المقالع والكسارات، بحيث يلتزم الجميع بتقديم طلباتهم وَفْق المرسوم. ونتيجة لذلك، أخذ ملف تقديم الدراسات، والخرائط، وخطط التأهيل وقتاً كافياً، و خلال هذه الفترة الفاصلة، حدث فراغ في السوق وظهرت سوق سوداء، مما كان يحتم على الحكومة، وتحديداً وزارة الصناعة فتح باب الاستيراد كحل إنتقالي الى حين إنهاء ملف الترخيص بشكل قانوني".
اضافت "ولأن قطاع الترابة يعاني منذ 70 سنة من تعاقب مهل إدارية وبشكل متفلّت، فقد أصبح لدى سكان المناطق الشمالية عداءً مطلقاً تجاه هذه الشركات، لذا فإن السبيل الوحيد للعمل بطريقة سليمة ، هو الالتزام الصارم بالمرسوم، مع إضافة ضوابط مشددة جداً".
الذكاء الاصطناعي
من جهة أخرى، تحدثت الزين عن موضوع الذكاء الاصطناعي ، وحذّرت من الأبعاد البيئية "المخفية" لاستخدام الأدوات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي (AI)، و أوضحت أن "الانجراف وراء الترند الرقمي يغفل الحقيقة العلمية، التي تؤكد أن الاستخدام المفرط للتكنولوجيا والتوسع في "المدن الذكية" ، يزيد من الضغط على استهلاك الطاقة الكهربائية، كما يضاعف الانبعاثات الكربونية، ويؤثر سلبا في الاضطراب المناخي".
وأعلنت عن "إطلاق مبادرة مشتركة بالتعاون مع منظمة "اليونسكو"، لترسيخ مفهوم "الرصانة الرقمية،" (Numérique Sobriété) ، ونشر الوعي البيئي في المدارس للحد، من الاستهلاك غير المحسوب للتكنولوجيا".
البيئة والصحة
وحول تقاطع الملف البيئي مع القطاع الصحي، كشفت الوزيرة عن تشكيل لجنة مشتركة مع وزارة الصحة العامة، للتنسيق فيما يخص التحديات المزدوجة المترتبة على أزمة التغير المناخي، وترابطها مع الصحة العامة.
وأعلنت عن التنسيق الجاري مع "صندوق المناخ الأخضر" (Green Climate Fund) ووكالة التنمية الفرنسية (AFD) ، لتنفيذ مشروع إعادة تأهيل المستشفيات والقطاع الصحي في لبنان، لا سيما في مراحل إعادة الإعمار، على أن يكون التأهيل شاملا للأبعاد البيئية والمناخية المعتمدة دولياً.
وفي ملف تقييم الأثر البيئي للمشاريع الإستثمارية والصناعية، انتقدت "سياسة الأمر الواقع التي ينتهجها بعض المستثمرين بالبدء بالمشاريع، قبل الحصول على الموافقات البيئية"، مؤكدة أن "زمن الغرامات الرمزية قد انتهى"، مشيرة إلى "وجود تنسيق يومي مع هيئة القضايا في وزارة العدل، لملاحقة المخالفين قانونياً"، كاشفة على سبيل المثال عن "ملف واحد بلغت قيمة الكفالة المطلوبة فيه زهاء 2.5 مليون دولار أميركي"، مشددة على أن "القضاء لن يتوانى عن تحصيل حقوق الدولة وحماية الطبيعة".
مؤتمرات المناخ الدولية
وفيما يخص مشاركة لبنان في مؤتمرات المناخ الدولية (COP)، أكدت حرصها على تمثيل لبنان بما يخدم المصلحة الوطنية، مع التركيز على أولويتين أساسيتين:
– أولاً: تسريع التمويل المناخي للدول المتأثرة بالتغير المناخي، وتلك التي تعاني من الازمات والحروب وتخفيف الإجراءات.
– ثانياً: إيلاء اهمية لملف الحروب والمطالبة بتعويضات وتدابير دولية، تأخذ بعين الإعتبار التداعيات البيئية والمناخية الناتجة عن النزاعات المسلحة.
وختمت الوزيرة الزين بالتأكيد على "استكمال التقرير الخاص بالشكاوى البيئية المرفوعة، تمهيداً لإحالته إلى وزارة الخارجية والمغتربين، لمتابعته أصولاً لدى مجلس الأمن الدولي والجهات الديبلوماسية المعنية.



