إفقار منظّم تحت غطاء الدولار.. الحكومة تُخلف بوعدها وتُحمّل اللبنانيين ثمن الأزمة!
اخبار سعر صرف الدولار في لبنان
لم يعد سعر الدولار وحده كافياً لقياس الأزمة اللبنانية، كما لم يعد من حق الحكومة أن تستخدم ثباته لتسويق صورة زائفة عن الاستقرار. فسعر الصرف بقي مستقراً نسبياً، لكن الاقتصاد عاد إلى الانكماش، والأسعار تتجه إلى ارتفاع أسرع، فيما تتراجع قدرة العائلات على الإنفاق. والأسوأ أن الحكومة لم تواجه هذا التراجع بخطة تحمي الدخل، بل اختارت زيادة الضرائب والرسوم، محوّلة المواطن مرة جديدة إلى المموّل الأول لعجز الدولة وفشلها.
في كانون الثاني، كان البنك الدولي يتوقع أن ينمو الاقتصاد اللبناني بنسبة 4 في المئة خلال 2026، وأن ينخفض التضخم إلى ما دون 10 في المئة، شرط استمرار الاستقرار السياسي والأمني. وبعد سبعة أشهر، انقلبت الصورة بالكامل، إذ بات البنك يتوقع انكماش الناتج بنسبة 6.4 في المئة وارتفاع التضخم إلى نحو 17.5 في المئة. هذا التحول لا يعني فقط خسارة أكثر من عشر نقاط من النمو المتوقع. إنه يكشف أن الاقتصاد ينكمش فيما تبقى العملة مستقرة، وأن الأسعار ترتفع من دون قفزات يومية في سعر الدولار. لكن بدلاً من أن تتعامل الحكومة مع هذه الأرقام كإنذار يستوجب حماية الاستهلاك وتحريك الاقتصاد، قررت زيادة العبء على الناس أنفسهم الذين تراجعت دخولهم ومدخراتهم منذ عام 2019.
المفارقة الأكثر فجاجة أن الحكومة كانت قد أكدت، عند إقرار مشروع موازنة 2026، أنها لن تفرض ضرائب جديدة أو ترفع المعدلات الضريبية، وأنها ستعتمد على تحسين الجباية والامتثال الضريبي. لكن هذا الوعد لم يصمد طويلاً. فقد عادت وأقرت رفع الضريبة على القيمة المضافة من 11 إلى 12 في المئة، وفرض 300 ألف ليرة إضافية على صفيحة البنزين، إلى جانب زيادات أخرى مرتبطة بالشحن والرسوم. وهكذا انتقلت الحكومة خلال أشهر من التعهد بعدم فرض ضرائب جديدة إلى اختيار الضرائب الأسرع تحصيلاً والأشد تأثيراً في الاستهلاك اليومي.
لا يمكن وصف ذلك إلا بأنه إخلال واضح بالوعد. فالحكومة لم تجد أمامها سوى جيب المواطن، ولم تضع خطة مقنعة لاسترداد الأموال المهدورة، أو توسيع الجباية العادلة، أو ملاحقة التهرب، أو تحميل أصحاب الثروات والأرباح الكبيرة حصة متناسبة من كلفة الأزمة. اختارت الطريق الأسهل: ضريبة على الاستهلاك يدفعها الفقير والغني عند شراء السلعة نفسها.
وخلال الانهيار السابق، كان المسار واضحاً أمام المواطن، حيث كان يرتفع الدولار، فتتغير الأسعار، ثم تبدأ المطالبات بتصحيح الرواتب. أما اليوم، فتأتي الزيادات من كلفة الوقود والشحن والتأمين واضطراب سلاسل الإمداد، وتضيف الحكومة إليها ضرائبها ورسومها. لذلك يمكن أن ترتفع فاتورة الغذاء والنقل والكهرباء الخاصة، فيما يبقى الراتب نفسه لأن صاحب العمل لا يرى تغيراً كبيراً في سعر الصرف يبرر زيادة الأجور. بهذه السياسة، لم تعد الحكومة عاجزة فقط عن وقف الغلاء، بل أصبحت شريكاً مباشراً فيه. فهي تفرض رسوماً على الوقود ثم تتصرف وكأن ارتفاع كلفة النقل والأسعار نتيجة حتمية للظروف الخارجية وحدها. وتزيد الضريبة على القيمة المضافة فيما يتوقع البنك الدولي انكماش الاستهلاك، أي إنها تفرض ضريبة إضافية على سوق يتراجع وعلى عائلات تقلص إنفاقها أساساً.
حتى من يتقاضى راتبه بالدولار ليس محمياً. فعندما ترتفع الأسعار بالدولار، يفقد الراتب جزءاً من قيمته الفعلية وإن بقي رقمه ثابتاً. أما الموظف الذي يتقاضى أجره بالليرة، فتكون خسارته أكبر إذا تأخر التصحيح أو اقتصر على مساعدات مؤقتة. والحكومة التي منحت زيادات محدودة لبعض العاملين في القطاع العام عادت لتسترد جزءاً منها عبر البنزين والضرائب والأسعار، فيما تُرك موظفو القطاع الخاص وأصحاب المهن الحرة والعاطلون من العمل أمام موجة الغلاء من دون أي حماية.
المشكلة الأعمق أن استقرار الليرة أصبح يخفي التراجع بدلاً من أن يمنعه، ويرى في هذا السياق خبراء الاقتصاد ان الاسر بدأت بشكل واسع في تقليص استهلاك اللحوم والمواد الغذائئية الغالية، أو تؤجل العلاج، أو تنقل أولادها من مدرسة إلى أخرى، أو تتوقف عن استخدام السيارة. وهنا يظهر الانكماش الحقيقي في قرارات صغيرة تتكرر يومياً داخل آلاف المنازل، فيما تواصل الحكومة الاحتفال برقم ثابت على لوحة الصراف.
ولا يصيب التضخم كل العائلات بالطريقة نفسها. فالأسر الأكثر فقراً تنفق النسبة الأكبر من دخلها على الطعام والنقل والطاقة، وهي القطاعات الأكثر تأثراً بالرسوم والصدمات الخارجية. لذلك قد تشعر هذه الأسر بارتفاع يفوق المعدل الرسمي، بينما يكون أثره أخف على أصحاب الدخول المرتفعة. وعندما تختار الحكومة ضرائب الاستهلاك والوقود، فإنها تعرف مسبقاً أن العبء الأكبر سيقع على الفئات الأضعف، ومع ذلك تمضي في القرار غير آبهة لما يعانيه الاسر، وسط حرب دموية أثّرت على كل لبنان وليس مناطق النزاع فقط.
أما انكماش الناتج بنسبة 6.4 في المئة، فيظهر في فقدان الوظائف، وتقليص ساعات العمل، وتراجع المبيعات، وإقفال المؤسسات الصغيرة وتأجيل الاستثمارات. وقد تحافظ مؤسسة على موظفيها، لكنها توقف الزيادات والتوظيف، وقد يبقى المتجر مفتوحاً، لكنه يعمل بدورة مالية أصغر. وعندما تفرض الحكومة مزيداً من الضرائب في هذه البيئة، فإنها لا تجمع إيرادات فقط، بل تسحب جزءاً إضافياً من الأموال المتبقية في السوق وتسرّع تراجع الاستهلاك.
لهذا لا يكفي أن تعتبر الحكومة ثبات سعر الصرف إنجازاً، فبدلا من ذلك عليها حماية قيمة الدخل، وربط المساعدات الاجتماعية بسلة معيشية فعلية، ووضع آلية واضحة لتصحيح الرواتب، واعتماد سياسة ضريبية تصاعدية لا تعاقب الاستهلاك والفئات الأضعف. أما انتظار الانهيار النقدي قبل التحرك، مع الاستمرار في زيادة الضرائب، فيعني ترك القدرة الشرائية تتآكل بصمت.
نجح لبنان حتى الآن في منع انهيار جديد لليرة، لكنه لم ينجح في حماية قيمة الدخل. والحكومة، بدلاً من أن تعالج هذا الفارق، وسّعته بقراراتها ونقضت وعدها بعدم فرض ضرائب جديدة. فهي تطلب من اللبناني أن يصدق أن العملة مستقرة، فيما راتبه يشتري أقل، وفاتورته ترتفع، والدولة تقتطع منه المزيد.
هذا ليس استقراراً اقتصادياً. إنه إفقار منظم يجري تحت غطاء ثبات الدولار.

