كل دولار يُستثمر في النقل العام ينعكس 4 دولارات في الاقتصاد
اخبار سعر صرف الدولار في لبنان
كتبت زينب بزي في "الأخبار":
في بلدٍ لم يعرف يوماً شبكة نقل عام «نموذجية»، يأتي الحديث المتجدّد عن النقل المشترك، محمّلاً بوعود أكبر من الوقائع، وخصوصاً حينما نعرف أنّ لبنان يحتاج اليوم إلى حوالى 400 باص إضافي لتغطية كل المناطق. باصات تتحرّك، تطبيقات تُطلق، وخطوط تُعلن ووعود بـ«ماستر بلان» لم تُنجز بعد، كل هذا يجري في ظل غياب خطة واضحة المعالم.
عملياً، يتمحور ما يُسمى اليوم بـ«النقل العام» حول شبكة باصات محدودة عددها 93 قدّمتها فرنسا وشغّلت منذ عام 2024 على 11 خطّاً. لم تشغّلها مصلحة السكك الحديد والنقل المشترك، بل لُزّمت لشركة «أحدب» عبر مزايدة. وتعزّزت هذه الشبكة بوصول 30 حافلة كهبة من قطر سيتم تشغيلها خلال شهر تقريباً.
يُطرح الأمر كنواة لإطلاق النقل العام في لبنان بعد غياب طويل، إلا أنّ الأمر يثير التساؤلات بشأن طبيعة المشروع: هل تشكّل هذه الباصات جزءاً من خطّة نقل وطنية متكاملة، أم أنّها مجرّد مصادفة قائمة على التسوّل في ظل إقرار مباشر بعدم قدرة الدولة على إعداد خطة وتمويلها وتنفيذها؟
لولا فرنسا وقطر والصين الذين قدموا 100 باص للبنان ستصل قريباً، لكان اليوم، كما في السابق، جزءٌ كبير من المواطنين محرومين من وسائل النقل ذات التعرفة المقبولة وتتقاذفهم «الباصات» وسيارات الأجرة التي يسعّر غالبية أصحابها وفقاً لمزاجهم. وتبلغ تعرفة باصات النقل العام ما بين الـ 70 ألف ليرة و200 ألف للراكب الواحد، ويقدر عدد الركاب اليومي ما بين 6000 و7000 راكب، أي بمتوسط 6500 راكب يومياً وبمتوسط تعرفة يبلغ 100 ألف ليرة، أي إنّ الإيرادات تقدّر بنحو 650 مليون ليرة يومياً أو ما يعادل 7260 دولاراً.
غير أنّ هذا الرقم لا يعني أرباحاً صافية، إذ تُقتطع منه كلفة التشغيل الأساسية وفي مقدّمتها الوقود والصيانة وقطع الغيار والأجور والتشغيل الميداني والإدارة، ثم يتوزّع باقي المردود، بين الجهة المشغّلة (شركة أحدب للمواصلات والتجارة)، وبين مصلحة السكك الحديد والنقل المشترك التي تتقاضى 11% من الأرباح.
وبحسب المدير العام لمصلحة السكك الحديد والنقل المشترك زياد شيا، لا يُفترض التعامل مع شبكة الباصات الحالية بأنها الشكل النهائي للنقل في لبنان، بل كمرحلة انتقالية ضمن مسار أوسع، إذ «يجري العمل حالياً على إعداد «Master Plan» على مستوى لبنان بالتعاون مع وزارة الأشغال واستشاريين لوضع خطة أولية تُحدد معالم شبكة نقل وطنية مستقبلية» يقول شيّا.
إذاً، شيّا نفسه لا يعرف ما هي الخطّة الشاملة، ولا وزارة الأشغال العامة. وهذا يعني أنه يتم التعامل مع الواقع وتكريسه قبل اكتمال أي رؤية. المشكلة في لبنان أن المؤقت والظرفي يُصبح دائماً. فلا أحد لديه فكرة واضحة عن وسائل النقل العام المفترضة ولا عن التغطية الجغرافية والترابط، ولا عن الأهداف: فهل يكون الهدف نقلاً عاماً في خدمة اقتصاد المدينة، أم يكون هدفه تنمية المناطق وتخفيف التركّز الاقتصادي في المدينة؟
حالياً، ليس هناك الحدّ الأدنى من الأجوبة. فما تزال التجربة المؤقتة بلا أي تقييم واضح. يقرّ شيّا، بأن القطاع «طريّ العود» وهو ما يستدعي تنظيماً دائماً ومتابعة مستمرّة، لكنه يشدّد على أن التشغيل ليس عشوائياً، بل «يخضع لمنظومة مراقبة تقنية تشمل كاميرات داخل الباصات، نظام GPS، ربط مباشر بغرفة عمليات، إدراج الخطوط على تطبيق Google Maps واعتماد وسائل دفع متعدّدة بينها بطاقات مسبقة الدفع». هذا يعني أن الإطار التشغيلي والتقني يغلب ويحكم هذه التجربة ولا يعوّض غياب العنصر الأساسي المتمثّل في الصورة الأشمل التي ستحدّد عملية الأهداف وتدفقات الاستثمار في البنية التحتية الثابتة، إذ إن عدداً من المحطات لا تزال غير موجودة فعلياً.
هل يشكّل إدخال الباصات بداية لنجاح خطة النقل العام؟ في مقابلة تلفزيونية قال الخبير في نظم النقل تمام نقّاش إنّ النقل العام ليس مشروع باصات، بل سياسة دولة، واختزاله بوسيلة واحدة هو مقاربة قاصرة لا تعالج جوهر الأزمة. «النقل منظومة متشابكة تبدأ من قدرة الإنسان على الوصول الآمن إلى المحطة، لا من لحظة صعوده إلى الباص. وفي بلدٍ لا يستطيع فيه المواطن المشي بأمان على الطرقات، ولا تتوافر فيه أرصفة أو مسارات مشاة، يصبح الحديث عن تشغيل الباصات منفصلاً عن الواقع. السؤال الأخطر لا يتعلّق بعدد الخطوط ولا بالتقنيات المستخدمة، بل بالتمويل المستدام وغياب الرؤية».
«ما يُقدم اليوم كإنجاز لا يتعدّى كونه إدارة محدودة للحركة، لا بداية مشروع فعلي لخطة نقل عام متكامل… الاكتفاء بتصوّرات عامة عن المستقبل لا يبني شبكة نقل حقيقية… كل دولار يُستثمر في النقل العام ينعكس أربعة دولارات على الاقتصاد» هذا ما خلص إليه نقاش، وما تتجاهله الحكومة منذ عقود.

