فوضى في الاستجابة لحاجات النازحين | 45 دولاراً للعائلة: مساعدة أم إذلال؟
اخبار سعر صرف الدولار في لبنان
في تعميمها الأخير المتعلّق بآلية الاستجابة للصدمات، حدّدت وزارة الشؤون الاجتماعية قيمة المساعدة النقدية ضمن شبكة الأمان الاجتماعي المستجيبة للصدمات (SRSN) بـ20 دولاراً للفرد، على ألّا يتجاوز مجموعها 45 دولاراً للأسرة الواحدة. رقم يبدو كأنه «مزحة سمجة» للوهلة الأولى، لكنه في الواقع يختصر حجم الفجوة بين مزاعم الحكومة وواقع الناس على الأرض. فالبلاد اليوم في حالة حرب، والنزوح يتكرّر، والعائلات تخرج من منازلها غالباً من دون أن تحمل معها شيئاً، والنازح لا يحتاج إلى بند واحد من المصاريف، بل إلى كل شيء دفعة واحدة. مأوى أو بدل إيجار، فرش للنوم، بطانيات، طعام ومياه، حليب للأطفال، أدوية، ثياب وكلفة تنقّل. أي جولة سريعة في الأسواق تكشف أن 45 دولاراً لا تكفي حتى لتأمين حاجات غذائية أساسية لأيام قليلة، فكيف يمكن أن تشكّل شبكة أمان لعائلة فقدت منزلها أو مصدر رزقها؟
الأخطر أنّ التعميم لا يكتفي بتحديد قيمة المساعدة التي تقدّمها الدولة، بل يضع عملياً سقفاً لما يمكن أن تقدّمه الجهات والمنظمات الشريكة أيضاً ضمن هذه الآلية. أي إن الدولة لا تقول فقط كم ستدفع، بل تحدّد أيضاً الحدّ الأعلى للدعم النقدي الذي يمكن أن يصل إلى الأسر المتضرّرة عبر هذه البرامج، وهو يشترط أن يحدّد هذه الأسر وسقف الدعم الممنوح لها.
في بلد ارتفعت فيه كلفة المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة منذ الانهيار المالي، تبدو 45 دولاراً للأسرة رقماً بلا معنى فعلي أمام حجم الحاجات. فهي لا تغطي إيجار غرفة ليوم، ولا تكفي لتجهيز مكان للنوم، ولا حتى لتأمين حاجات أساسية لعائلة نازحة. لذلك، يبدو هذا السقف أقرب إلى محاولة جعل الناس يتعايشون مع الفقر منه إلى شبكة أمان اجتماعي حقيقية. ففي زمن الحرب والنزوح، حين يخسر الناس بيوتهم ومصادر دخلهم دفعة واحدة، لا يمكن لبضع عشرات من الدولارات أن تشكّل استجابة فعلية لحجم الكارثة. وإن كان ذلك يدل على شي، فهو يدل على أنّ الدولة تتعامل مع النازحين كـ«متسوّلين» لا كمواطنين اضطروا
إلى ترك أرزاقهم ومنازلهم، وتأتي اليوم لتدعمهم بمبلغ لا يكفي لوجبتَيْ طعام من أحد المطاعم العادية.
وإلى جانب ذلك، تبيّن أنه في اليوم الثامن للعدوان الإسرائيلي على لبنان، قرّر رئيس الحكومة نواف سلام أن يعقد اجتماعاً مع الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة بسام النابلسي، رئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر، رئيس وحدة إدارة الكوارث زاهي شاهين بحضور وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، «بهدف تنسيق جهود الإغاثة والاستجابة». هذا الخبر الذي وزّعته رئاسة الحكومة أمس، يختزل طريقة إدارة الحكومة لملف النزوح. فرغم أن سلام كلّف حنين السيّد بالإشراف على عمل الهيئة وإدارة ملف النزوح والمساعدات، إلا أن «الصرخة» ظهرت في غالبية أمكنة النزوح التي تعتمد حالياً على المبادرات الفردية من المجتمع ولا يكاد شيء يصلها من مسارات المساعدات التي حدّدتها الوزارة بالتنسيق مع وحدة إدارة الكوارث. العديد من المدارس فيها نقص هائل في الفرش والأغطية ومواد التنظيف والوجبات الغذائية وسواها. وبدأت تظهر أسئلة عن إدارة هذا الملف وعن المدارس التي تصلها المساعدات دون غيرها وعن تمييز غير مسبوق تمارسه وزارة الشؤون الاجتماعية تجاه النازحين. أيضاً بدأ يسأل الناشطون: «إلى أين تذهب المساعدات؟ لماذا لم تُعلن وجهة هذه المساعدات كما كان يُعلن أيام الوزير ناصر ياسين؟ لماذا هناك الكثير من الحاجات في غالبية المدارس طالما أنه يجري الإعلان عن تقديم مساعدات للنازحين؟ لماذا ينقل المتبرّعون مشهداً سيئاً عن أحوال النازحين الذين يعيشون من دون الحدّ الأدنى من الاهتمام بحاجاتهم الأساسية؟ يجيب بعضهم، أن حالة الفوضى التي قد تحصل في الأيام الأولى، لم يعد ممكناً استعمالها ذريعة للفوضى الحاصلة في اليوم الثامن، وليست بالتأكيد مبرّراً للنقص في الشفافية.



