“المئة دولار” تتحوّل إلى فخ.. أزمة جديدة تلاحق اللبنانيين
اخبار سعر صرف الدولار في لبنان
في ظلّ الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان منذ سنوات، برزت في الأسواق ظاهرة خطيرة تهدّد المواطنين والتجّار على حدّ سواء، وهي انتشار الأوراق النقدية المزوّرة، لا سيّما فئات الدولار الأميركي والليرة اللبنانية. ومع تزايد الاعتماد على الدفع النقدي بدل التعاملات المصرفية، تحوّلت الأسواق الشعبية ومحال الصرافة إلى بيئة خصبة لعمليات الاحتيال وترويج الأموال المقلّدة، في وقت يعيش فيه اللبنانيون أصلًا حالة من القلق والخوف على مدّخراتهم. ويشرح الخبير المالي الدكتور سامر ياسين أنّ “الأزمة الاقتصادية ساهمت بشكل مباشر في تنشيط عمليات التزوير، لأنّ السوق اللبنانية أصبحت تعتمد بشكل شبه كامل على التداول النقدي، فيما تراجعت الرقابة وضعفت الثقة بالمصارف”. ويضيف أنّ المحتالين يستغلّون حاجة الناس السريعة لتبديل الأموال أو شراء الدولار، خصوصًا في ظلّ تقلّبات سعر الصرف اليومية. وخلال الأشهر الماضية، سُجّلت عشرات الشكاوى من مواطنين وقعوا ضحية أوراق مزوّرة، بعضها اكتُشف بعد ساعات من استلام الأموال، وبعضها الآخر لم يُكتشف إلا عند محاولة إيداعها في شركات تحويل الأموال أو لدى الصرّافين. وفي كثير من الحالات، يكون المحتال قد اختفى بالكامل، مستفيدًا من عمليات البيع السريعة أو اللقاءات التي تتم عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ويؤكد الدكتور ياسين أنّ عمليات التزوير لم تعد بدائية كما كانت سابقًا، موضحًا أنّ “بعض العصابات باتت تستخدم تقنيات طباعة متطورة جدًا، وأوراقًا تشبه إلى حدّ كبير العملة الأصلية، ما يجعل اكتشاف التزوير صعبًا على المواطن العادي”. ويشير إلى أنّ أكثر ما يثير القلق هو دخول هذه الأوراق إلى الأسواق الشعبية، حيث لا تتوافر دائمًا أجهزة كشف حديثة. أحد أصحاب المحال التجارية في بيروت يروي أنّه تعرّض مؤخرًا لعملية احتيال بعدما استلم ورقة من فئة المئة دولار خلال ساعة ازدحام داخل متجره. ويقول إنّه لم يلاحظ أي أمر مريب في البداية، لكنّه صُدم لاحقًا عندما اكتشف أنّ الورقة مزوّرة بالكامل. ويضيف: “صرنا نخاف من أي ورقة كبيرة، وحتى الزبون المحترم أصبحنا ندقّق معه لأنّ الخسارة كبيرة”. من جهته، يشير الخبير المالي إلى أنّ بعض المزوّرين يعتمدون أساليب ذكية لتصريف الأموال المقلّدة، أبرزها شراء سلع بسيطة بأوراق كبيرة مزوّرة للحصول على الباقي نقدًا حقيقيًا. ويقول: “المحتال لا يهمّه أحيانًا ثمن السلعة، بل هدفه إدخال الورقة المزوّرة إلى السوق والحصول على أموال سليمة بدلًا منها”. ولا تقتصر المشكلة على الدولار الأميركي فقط، بل تشمل أيضًا الليرة اللبنانية، إذ انتشرت في الآونة الأخيرة أوراق مزوّرة من فئات مختلفة، مستغلّة الفوضى الاقتصادية. ويؤكد الدكتور ياسين أنّ “غياب الثقافة المالية لدى بعض المواطنين يساعد المزوّرين، لأنّ كثيرين لا يعرفون كيفية التحقق من العلامات الأمنية الموجودة على العملة”. كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا في زيادة عمليات الاحتيال، خصوصًا من خلال عمليات البيع والشراء غير الموثوقة. فقد بات بعض المحتالين يستدرجون الضحايا عبر عروض مغرية أو أسعار منخفضة، ثم يسلّمونهم أموالًا مزوّرة قبل أن يختفوا بسرعة. وتشير معلومات متداولة إلى أنّ بعض العصابات تتعمّد تنفيذ عملياتها ليلًا أو في أماكن مكتظة لتفادي التدقيق. ويشدّد الخبير المالي على ضرورة اتخاذ إجراءات وقائية للحدّ من هذه الظاهرة، موضحًا أنّ “الحل لا يكون فقط عبر الملاحقات الأمنية، بل أيضًا من خلال رفع الوعي بين الناس”. وينصح المواطنين بعدم تبديل الأموال مع جهات مجهولة، والتأكد من العلامات الأمنية مثل الخيط اللامع والعلامة المائية وملمس الورقة، إضافة إلى استخدام أجهزة كشف التزوير في المحال التجارية. أما الأجهزة الأمنية، فتواصل متابعة ملفات مرتبطة بترويج العملات المزوّرة، وقد أعلنت خلال الفترة الماضية توقيف عدد من المتورّطين في عمليات تزوير واحتيال. إلا أنّ الخبير المالي يرى أنّ المشكلة مرشّحة للتفاقم ما دام الاقتصاد النقدي يسيطر على السوق، وما دامت الظروف المعيشية الصعبة تدفع البعض إلى سلوك طرق غير قانونية لتحقيق الأرباح السريعة.
وفي بلد يعيش أصلًا تحت ضغط الأزمات المالية والمعيشية، تتحوّل الورقة النقدية المزوّرة إلى تهديد إضافي يضرب الثقة والأمان الاقتصادي. وبين مواطن يخشى خسارة تعبه، وتاجر يعيش هاجس الاحتيال يوميًا، يبقى الوعي والحذر خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الظاهرة المتنامية.



